عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

33

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب السادس في زيادة الجوهر من زيادة الفضل اعلم يا بنى أن المرء يكون بغير نفع ما دام بغير فضل ، كشجرة المغيلان « 1 » التي لها جذع وليس لها ظل ، لا تنفع نفسها ولا غيرها . وذوو النسب والأصل ولو كانوا عديمى الفضل لا يجزمون احترام الناس . وأسوأ ما يكون المرء أن لا يكون له أصل ولا فضل ، ولكن ينبغي الاجتهاد في أن تكون جوهرا بشخصك حتى ولو كنت أصيلا عريقا ؛ لأن جوهر الشخص خير من جوهر الأصل ، كما قالوا ( الشرف بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب ) فإن العظمة للعقل والعلم لا للعنصر والأصل . ولا تكن تبعا « 2 » للاسم الذي وضعه أبواك فذاك الاسم علامة ، والاسم حقا هو ما تخلعه على نفسك من الفضل ، حتى تلقى باسم أحمد ومحمد وموسى وجعفر على أستاذ فاضل أو حكيم كامل ، فإذا لم يكن لذي الأصل جوهر الفضل فإنه لا يليق بصحبة أحد ، وتشبث بكل من فيه هذان الجوهران ، ولا تدعه من يدك ، فإنه ينفع كل إنسان . اعلم أن الفضيلة الأفضل من جميع الفضائل هي الكلام ؛ لأن الخالق جل جلاله خلق الآدمي أفضل من كل مخلوقاته ، والإنسان الذي نال الفضل على سائر الحيوان ناله بعشرة أشياء في بدنه : خمسة من الباطن وخمسة من الظاهر ؛ فالخمسة الخفية مثل الفكر والتعلم والحفظ والتخيل والنطق . وتلك الخمسة الظاهرة مثل السمع والبصر والشم واللمس والذوق . وما يكون لسائر الحيوان من هذه كلها لا يكون على هذه الجملة ، فصار الإنسان لهذا السبب ملكا قاهرا على سائر الحيوان ، فإذا عرفت ذلك فتعلم الفضل وتعود فضائل اللسان ، لأن لسانك يقول دائما ما تجرى عليه ، فقد قيل أحسن الناس لسانا أكثرهم فضلا « 3 » ، واجتهد مع كل فضائلك في أن تقول الكلام في موضعه ، فإن الكلام إذا كان جيدا ولم يكن في موضعه فإنه يبدو قبيحا . وآثر الصمت على الفضول ، إذ إن الكلام غير النافع ضرر كله ، والكلام الذي لا تأتى منه رائحة الفضل من الخير أن لا يقال ، فقد مثل الحكماء

--> ( 1 ) لعلها العوسج . ( 2 ) وضعنا كلمة تبع مقابل همداستان لتمشيها مع سياق الكلام ومعنى همداستان في الأصل : من يقص نفس القصة . وتأتى أيضا بمعنى سكرتير أو مؤتمن أو صديق محب ، وهذه المعاني لا تؤدى هنا المعنى المقصود . ( 3 ) الترجمة الحرفية : كل من له لسان أحسن له فضل أكثر .